بلغ النبي ﷺ أن جماعات قرب دومة الجندل تقطع الطريق وتستعد للغارة، فخرج في جيش حتى بلغها، ففر أهلها قبل وقوع القتال، وعاد المسلمون بعد أن أظهروا قدرتهم على الوصول إلى أطراف الجزيرة، وكانت الرحلة بعيدة بالنسبة إلى المدينة، فدل ذلك على توسع مجال الأمن الذي تفكر فيه الدولة. لم يكن عدم وقوع القتال دليلا على عدم أهمية الغزوة، لأن وصول الجيش قد يمنع الغارة قبل أن تبدأ، كما أن معرفة الطرق والقبائل والمواضع تسهم في حماية القوافل والمدينة، وتربط الدولة بمحيطها الأوسع، ولذلك تذكر دومة الجندل في سجل الغزوات حتى مع عدم وقوع معركة فاصلة. خرج رسول الله ﷺ إلى بني لحيان بعد أن غدروا بأصحاب الرجيع، فسلك طريقا يوهمهم أنه يريد الشام، ثم مال إلى ديارهم، فلما بلغها وجدهم قد فروا إلى رؤوس الجبال، فنزل المسلمون قريبا منهم مدة، ثم رجعوا، وكان المقصود إظهار أن الغدر بالدعاة لا يمر بلا أثر، وأن المدينة قادرة على الوصول إلى من يهدد أمنها ولو احتمى بالجبال. ثم أغارت جماعة على لقاح رسول الله ﷺ، وقتلت رجلا وأخذت الإبل، فخرج سلمة بن الأكوع رضي الله عنه يتبعهم وينادي المسلمين، حتى اجتمع إليه من أدركه، واستعيد بعض ما أأخذ، وجاء رسول الله ﷺ في أثرهم إلى ذي قرد، فكان ذلك من وقائع حماية مراعي المدينة وطريقها، وتختلف الروايات في عدد الخارجين وبعض أسماء المشاركين، فيثبت أصل الغارة والمطاردة والردع.