معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 93 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 93

استمرار البلاغ، فلم يكن قتل المبعوثين سببا لإغلاق باب التعليم، لكنه جعل العهود والرسل والطرق موضع نظر دقيق، وأظهر أن حمل القرآن إلى القبائل يحتاج إلى معرفة موازين القوة والخصومة، كما يحتاج إلى الإخلاص والعلم. ذهب النبي ﷺ إلى بني النضير يطلب مساهمتهم في دية رجلين، بحسب العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، فظهرت منهم محاولة غدر، وأوحي إلى النبي ﷺ بما عزموا عليه، فعاد إلى المدينة، وأرسل إليهم يأمرهم بالخروج، لأن بقاء جماعة تخطط لقتل القيادة أثناء وجودها بين بيوتهم يهدد أمن المدينة ويهدم أصل العهد. تحصن بنو النضير في حصونهم، واعتمدوا على وعود من المنافقين بالنصرة، لكن تلك الوعود لم تتحقق، فحاصرهم المسلمون حتى نزلوا على الجلاء، وأذن لهم أن يحملوا ما استطاعت الإبل حمله من غير السلاح، فخرجوا إلى خيبر وغيرها، ونزلت سورة الحشر تذكر جانبا من الواقعة، وتكشف ضعف وعود المنافقين، وتبين أحكام الفيء وما يتصل بأموال الجماعة. تختلف الروايات في مدة الحصار، وفي تفاصيل قطع النخل أو تركه، وفي عدد الخارجين، لذلك لا تجمع كل الأخبار في صورة قطعية واحدة، ويثبت أصل الإجلاء بعد محاولة الغدر ونقض العهد بحسب سياق السيرة، مع بيان أن الحكم تعلق بعمل سياسي وأمني لا بمجرد اختلاف الدين.