معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 88 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 88

خرج النبي ﷺ بالجيش، وفي الطريق انصرف عبد الله بن أبي بثلث الجيش بحجة أن رأيه لم يؤخذ، فبقي المسلمون بعدد أقل، وكان انسحابه امتحانا للجماعة، لأن الجيش فقد جزءا كبيرا من عدده قبل الوصول إلى الميدان، ومع ذلك واصل النبي ﷺ المسير، ولم يسمح للانسحاب أن يهدم صف المؤمنين، وبقي الذين ثبتوا يرون أن الطاعة بعد الشورى واجبة، وأن اختلاف الرأي لا يبرر ترك الجماعة في ساعة الخطر. اختار النبي ﷺ موضعا يجعل جبل أحد خلف المسلمين، حتى يمنع الخيل من الالتفاف عليهم، وجعل الرماة على موضع مرتفع يحمي ظهر الجيش، وكان عددهم خمسين، وأمرهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه، وقال لهم ما معناه: احموا ظهورنا، ولا تبرحوا مكانكم، إن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا غنمنا فلا تشاركونا حتى أرسل إليكم، وكان القائد يعلم أن نجاح الخطة مرتبط بالطاعة لا بالحماس وحده. بدأ القتال وتقدم المسلمون، واضطربت صفوف قريش، وابتعد بعض المشركين عن مواضعهم، وظهر أثر ثبات أصحاب النبي ﷺ، حتى ظن بعض الرماة أن المعركة انتهت، فنزلوا يطلبون الغنيمة، وبقي قائدهم عبد الله بن جبير ومعه نفر قليل يذكرونهم بأمر رسول الله ﷺ، لكن أكثرهم تركوا الموقع، فاستغل خالد بن الوليد خلو الجبل، وكان يومئذ في جيش قريش، فدار بالخيل من خلف المسلمين، ولم يكن الخطأ في أصل الشجاعة أو الرغبة في نصرة المسلمين، بل في تقدير لحظة انتهاء المهمة، فقد رأى بعض الرماة أن الغنيمة صارت متاحة،