الفصل التاسع: الابتلاءات الكبرى وبناء القدرة
لم تنس قريش هزيمتها في بدر، ولم تقبل أن ترى المسلمين في المدينة قوة مستقلة تستقبل المهاجرين وتحمي الدعوة، فجمعت المال والرجال، واستعانت بحلفائها، وخرجت بجيش كبير يقوده أبو سفيان، وكان في الجيش عدد من قادة مكة، وخرجت نساء من قريش مع المقاتلين لتحفيزهم وإثارة الثأر، لأن قريشا أرادت أن تجعل المعركة ردا على بدر واستعادة لهيبتها بين العرب. بلغ الخبر المدينة، فاستشار رسول الله ﷺ أصحابه، وكان رأيه أن يبقوا داخل المدينة، و يجعلوا النساء والصبيان في الحصون، و يقاتلوا من الممرات، لأن المدينة تعرف طرقها وبيوتها، لكن جماعة من الصحابة، ولا سيما من لم يشهد بدرا، رأوا الخروج ومواجهة قريش خارج الأسوار، فدخل النبي ﷺ ولبس لأمته، فلما رأوا أن الأمر عزم قالوا: يا رسول الله، إن شئت فاقعد، فقال إن النبي إذا لبس لأمته لا ينبغي أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، فكان في الواقعة درس في الشورى لا يعني أن الرأي الأول ملزم قبل تمام المداولة، كما كان فيها درس في تحمل نتيجة القرار بعد صدوره، إذ لم يجعل النبي ﷺ اختلاف أصحابه سببا لإسقاط رأي الجماعة، ولم يجعل أصحاب الرأي الآخر تراجعهم المتأخر ذر يعة لترك الصف، بل مضى الجميع إلى الميدان وقد عرفوا أن الطاعة تجمعهم بعد انتهاء التشاور. 87 ✦ ✦