معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 82 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 82

معين إلى حكم الفداء العام دون بيان، لأن كتب السيرة تذكر لكل حالة سياقا، ولأن الأمانة تمنع جعل الوقائع المختلفة حكما واحدا. لم يسمح النبي ﷺ للنصر أن يحول المسلمين إلى قوم ينتقمون بلا ضابط، ولم يجعل الرحمة إلغاء ء للمسؤولية، بل جمع بين الحزم في مواجهة العدوان والإحسان إلى من صار أسيرا، وربط القرار بالجريمة والقدرة والمصلحة، لا بالغضب الشخصي، فكانت بدر اختبارا بعد القتال كما كانت اختبارا أثناءه، وكان على المسلمين أن يتعلموا إدارة القوة كما تعلموا استعمالها. عاد المسلمون إلى المدينة، فاستقبلهم أهلها، وظهر أثر النصر في تثبيت الجماعة، وانتقلت الدولة من الدفاع عن وجودها إلى امتلاك قوة تحمي العهد والمدينة، وأصبح العرب يعرفون أن قريشا التي كانت صاحبة الهيبة قد هزمت، وأن المدينة ليست تجمعا من الفارين، بل مجتمعا له قيادة وجيش ونظام، وبدأت القبائل تعيد حساباتها في علاقتها بالمدينة ومكة. بعد بدر بلغ النبي ﷺ أن بني سليم تجمعوا يريدون الغارة، فخرج إليهم حتى بلغ موضع الكدر، فوجد القوم قد تفرقوا، وأصاب المسلمون من نعمهم ثم عادوا، ولم تقع مواجهة واسعة، وكان هذا الخروج حماية للمدينة ومراقبة لقبائل يمكن أن تستغل انشغال المسلمين، كما كان اختبارا لاستمرار الحذر بعد انتصار كبير، لأن العدو قد لا يواجه في جيش، بل قد يختار الغارة السر يعة.