معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 74 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 74

وكانت حماية المجتمع تتم بالعهود حين يكون العهد ممكنا، وبالقوة حين يتعذر الوفاء أو يظهر العدوان. خرج النبي ﷺ إلى بواط يريد عيرا لقريش يقودها أمية بن خلف أو غيره بحسب الروايات، وسار حتى بلغ الموضع، لكنه لم يدرك القافلة، فعاد المسلمون دون قتال، ثم خرج إلى العشيرة، فأقام في موضعها أياما، وصالح بني مدلج وحلفاءهم، وعاد دون مواجهة، فكان في بواط جمع أخبار الطريق وتجربة قدرة الجيش على السير، وكان في العشيرة تأمين صلة مع قبيلة قريبة من مسار القوافل. لا ينبغي وصف بواط والعشيرة بالفشل لمجرد عدم وقوع الغنيمة، فقد كان خروج المسلمين تدريبا على المسير، وجمعا للأخبار، وفحص ا للطرق، وبناء ء للعهود، كما أن القوافل أصبحت تعرف أن طريقها مراقب، وأصبحت القبائل القريبة تعرف أن المدينة قوة سياسية لا جماعة مهاجرة عاجزة، وكان مجرد الوصول إلى الموضع المقصود وإظهار القدرة على التحرك يؤثر في الحسابات قبل أن تبدأ المعركة. بعث النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى الخرار في سر ية صغيرة، وأمره أن يترصد عيرا لقريش، فسار حتى بلغ الموضع، لكنه لم يدرك القافلة التي خرج لها، فعاد المسلمون، وتظهر هذه السر ية أن حركة المدينة كانت موزعة بين بعوث صغيرة لا تستهدف دائما معركة كبرى، بل تجمع الأخبار وتختبر إمكان الوصول إلى طرق القوافل، كما أن اختيار قائد من المهاجرين يبين أن السابقين في الهجرة كانوا يحملون مسؤولية حماية الجماعة الجديدة.