معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 73 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 73

المسلمون من غير معركة واسعة، فبقيت السر ية شاهدا على أن الاحتكاك المسلح كان محدودا، وأن الغاية لم تكن فتح باب قتال لا ينتهي. تظهر أهمية سر ية عبيدة في أنها نقلت المسلمين من مجرد حماية المدينة إلى مراقبة طرق قريش، كما أظهرت أن استعمال السلاح لا يعني ضرورة القتال في كل مرة، فقد يلتقي الجيشان ثم يمنع العهد أو تقدير المصلحة اشتعال المعركة، وتبقى الواقعة جزءا من انتقال المسلمين إلى مرحلة الدفاع المنظم، وكان سعد بن أبي وقاص يذكر رميه يومئذ، فصار للسر ية أثر في ذاكرة أصحابها وإن لم تسفك فيها الدماء. خرج رسول الله ﷺ إلى الأبواء، وتسمى غزوة ودان، وكان المقصود مراقبة طريق قريش والاتصال ببني ضمرة، فبلغ أرضهم، وجرت المفاوضة مع مخشي بن عمرو الضمري، وانتهى الأمر إلى عهد ألا يغزو بعضهم بعضا وألا يعين أحد منهم على عدو الآخر، ولم يقع قتال، وكان هذا العهد من أوائل العهود التي عقدها النبي ﷺ مع قبائل حول المدينة، فأمن جانبا من الطريق وخفف الجهات التي يمكن أن تستجيب لقريش. لم تكن قيمة الأبواء في عدد المقاتلين، بل في أن المدينة بدأت تنظم محيطها بعقود واضحة، فالقبيلة القريبة تعرف حدود العلاقة، والمسلمون يعرفون من يجاورهم، وقريش تدرك أن النبي ﷺ لا ينتظر الهجوم داخل المدينة، بل يتحرك إلى الطرق و يقيم صلات مع القبائل، وبذلك كان العمل السياسي يسير مع العمل العسكري،