كان تحو يل القبلة حدثا دينيا واجتماعيا في آن واحد، لأنه ميز الجماعة الجديدة عن بعض الأمم السابقة، وربطها بالكعبة التي سيطرت قريش على شؤونها، وأظهر أن البيت لا تملكه قبيلة من جهة المعنى، بل هو لله، وأن عودة القبلة إليه لا تعني خضوع المسلمين لقريش، بل عودة العبادة إلى أصل التوحيد. صار في المدينة مسجد، وسوق، وعهود، وأخوة، وقيادة، وجماعة مهاجرة وأنصار، وانتقلت الدعوة من حماية أفراد إلى بناء مجتمع يعبد الله ويتعلم و يحكم بالعدل ويدافع عن نفسه، ولم تنته المحنة بالهجرة، بل تغير شكلها، فبعد مطاردة الطريق جاءت عداوة قريش، وبعد الفقر جاءت مسؤولية تنظيم المال، وبعد وحدة القبيلة جاء امتحان الوحدة بين قبائل مختلفة. كانت الهجرة بداية مرحلة جديدة، لا نهاية السيرة، فقد صار على المجتمع أن يوازن بين العبادة والدفاع، وبين العهد والقوة، وبين المؤاخاة والاقتصاد، وبين حماية المدينة وإبلاغ الدعوة، فتهيأ المسلمون للغزوات والبعوث، وظهرت وقائع صغيرة وكبيرة ستكشف قدرة الجماعة على تطبيق ما تعلمته في مكة.