معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 69 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 69

تختلف الروايات في تفاصيل صحيفة المدينة وصيغتها وترتيب بنودها، لكن أصل تنظيم العلاقة بين مكونات المدينة ثابت في سياق السيرة، وكان من معانيه أن أهل العهد جماعة في مواجهة الظلم، وأن لكل طائفة دينها، وأن النصرة تكون للمظلوم، وأن العهد لا ينقض سرا، وأن الدفاع عن المدينة مسؤولية مشتركة ما دام العهد قائما، كما كان تنظيم الديات وفداء الأسرى والرجوع في الخصومات من القضايا التي احتاجت إلى ضبط حتى لا تعود المدينة إلى ثاراتها القديمة، فانتقل الناس من أعراف متفرقة إلى عهد يحدد المسؤولية العامة، و يجعل الوفاء والعدل أساس التعامل، ويمنع أن تتحول القبيلة إلى سلطة فوق الجماعة أو أن يحمل حليف غيره تبعة جريمة لم يرتكبها. لم يكن هذا التنظيم إلغاء ء للاختلاف الديني، بل إدارة له داخل مجتمع سياسي واحد، فالمسجد للمسلمين، والقبائل تحتفظ بأنسابها، واليهود يحتفظون بدينهم، لكن الأمن العام والعهد والعدالة لا تترك لأهواء كل جماعة، ولذلك كان نقض العهد لاحقا قضية سياسية وأمنية لا مجرد اختلاف في الاعتقاد. صلى المسلمون أولا إلى بيت المقدس، ثم نزل الأمر بتحو يل القبلة إلى المسجد الحرام، فاستقبل المسلمون الحكم بالطاعة، وتبين لهم أن البر ليس اتجاها شكليا فقط، بل إيمان وعمل وإحسان وصبر، فصار التحو يل إعلانا لاتصال الأمة بميراث إبراهيم عليه السلام، واستقلالا في شعائرها، وامتحانا للطاعة التي لا تتوقف على العادة.