تعاون لا إلغاء ء للحقوق ولا خلطا للأنساب، وكان المقصود أن يشعر المهاجر أنه دخل في جماعة لا تتركه للضياع، وأن يشعر الأنصاري أن النصرة ليست كلمة تقال في العقبة ثم تنتهي عند الوصول، بل عمل يومي في السكن والطعام والدخل والحماية، ثم انتقلت الجماعة تدر يجيا من الاعتماد الأول على الكرم إلى القدرة على الإنتاج والتجارة، فبقي التكافل وظهرت معه المسؤولية. كان المهاجر قد ترك داره وماله، ولم يكن الحل أن يبقى عالة على الأنصاري إلى الأبد، بل أن يستقبله المجتمع ثم يفتح له باب العمل، ولذلك قال بعض المهاجرين ما يدل على اختياره السوق، فبدأت التجارة والعمل، وصار التكافل طريقا إلى الاستقلال، ولم يلغ الإسلام الملكية، لكنه جعل المال وسيلة لإقامة الحياة وحفظ الضعيف. لم تكن المؤاخاة بين الأفراد منفصلة عن بناء الأمة، فقد جعلت رابطة الإيمان فوق العصبية، دون أن تمحو حقوق العائلات والقبائل، وأصبح المهاجر والأنصاري شر يكين في الدفاع والصلاة والعمل، كما صار المجتمع قادرا على استقبال أفواج جديدة من المهاجرين دون أن يتحول الفقر إلى سبب لانهيار الجماعة. كانت المدينة تضم مهاجرين وأنصارا، وقبائل من الأوس والخزرج، ويهودا وحلفاء وموالي، فاحتاج المجتمع إلى عهد يبين الحقوق والواجبات، و يحفظ الأمن، ويمنع التعاون على الظلم والخيانة، و يقرر مسؤولية الدفاع عن المدينة، و يجعل المرجع عند النزاع إلى العدل ورسول الله ﷺ. 68 ✦ ✦