معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 67 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 67

زعيم بعينه، بل ترك الأمر للناقة، فكان في ذلك إبعاد عن الخصومة بين البيوت والقبائل. بنى النبي ﷺ المسجد في الموضع الذي بركت فيه الناقة، وكان الموضع لسهل وسهيل غلامين من بني النجار بحسب الروايات، فطلب شراءه أو قبله منهما، وشارك المسلمون في البناء، وكان يحمل اللبن والحجارة، و يعمل مع أصحابه، فصار المسجد مركز المدينة الجديد، ومنه تنطلق الصلاة والتعليم والقضاء واستقبال الوفود والتشاور في شؤون الناس، ولم يكن اختيار الموضع منفصلا عن حاجات السكان، فقد كان قريبا من مساكن الجماعة الناشئة وقادرا على جمع المهاجرين والأنصار، ثم أضيفت إليه مساكن أزواج النبي ﷺ، فصار المكان متصلا بالحياة اليومية لا مبنى احتفاليا لا يدخله إلا في وقت الصلاة. لم يكن بناء المسجد ترفا عمرانيا، لأن الجماعة المهاجرة تحتاج إلى مكان يجتمع فيه أفرادها، و يعرف فيه الغريب أخاه، وتقام فيه الصلاة، ويتلقى الناس فيه القرآن، وتعرض فيه شؤون الأمن والصلح، فجمع المسجد وظيفة العبادة ووظيفة المجتمع، ثم اتصلت به مساكن أزواج النبي ﷺ، وصار قلب المدينة السياسي والتعليمي والروحي. آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، ليعالج آثار الغربة والفقر، و يحول الأخوة من شعار إلى مسؤولية، فكان الأنصاري يعرض على أخيه المهاجر ماله وبيته، وكان بعضهم يقاسم أخاه المال أو يترك له جزءا من ثمرته، ثم آثر كثير من المهاجرين أن يعملوا بأيديهم، فدل بعضهم على السوق، وبقيت المؤاخاة رابطة 67 ✦ ✦