وكان قصي بن كلاب قد جمع أمر قريش في مكة، فصار له أثر في تنظيم السقاية والرفادة والندوة واللواء، ثم بقيت هذه الوظائف تتوزع في بيوت قريش، وكان هاشم بن عبد مناف من أبرز رجال البيت الهاشمي، فاشتهر بالسقاية والرفادة، وبإطعام الحجيج وتدبير ما يحتاج إليه الموسم، واتصل اسمه برحلات قريش وتجارتها وبمكانة مكة بين العرب. كان عبد المطلب بن هاشم سيدا في قريش، وقام بخدمة الحجيج، وكان له مجلس معروف عند الكعبة، وكان قومه يوقرونه لما اجتمع له من النسب والسن والقيام على السقاية، ولم تكن منزلته شرفا عائليا فقط، بل كانت مرتبطة بخدمة البيت وحفظ التوازن بين بطون قريش، ولذلك ظهرت مكانته في الأحداث التي سبقت مولد حفيده، ثم ظهر أثره في قصة زمزم وعام الفيل. تذكر كتب السيرة أن موضع زمزم اندثر خبره بين أهل مكة، ولم يعد الناس يعرفون موضع البئر على وجهه، ثم رأى عبد المطلب في المنام ما يأمره بالحفر، وتكررت له الإشارة حتى عرف الموضع، فتوجه إلى المكان، وبدأ يحفر ومعه ابنه الحارث، ولم يكن الحفر عملا يسيرا، لأن البئر كانت قد غطيت بالرمل أو اختفى أثرها بين آثار البيت. اعترضت قريش حين علمت أن عبد المطلب حفر في الموضع، وخافت أن ينفرد بنو هاشم بهذا الشرف، فقالوا له إن لنا نصيبا في خدمة البيت، وإن البئر مورد لجميع أهل مكة والحجيج، فاشتد الخصام بينهم، ولم يرد عبد المطلب أن يتراجع