كان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار في الليل، ثم يرجع إلى مكة قبل الفجر حتى لا يلاحظ الناس مساره، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام، وكانت تقطع نطاقها لتربط به الطعام، فسميت ذات النطاقين في الروايات، وكان عامر بن فهيرة يرعى الغنم قريبا منهما ويمر بها على آثار عبد الله ليعفيها، واستؤجر عبد الله بن أر يقط ليدلهما على الطريق بعد الليالي الثلاث. كانت هذه الأعمال موزعة بين أشخاص متعددين، فالهجرة لم تكن حركة فردية يقوم بها النبي ﷺ وأبو بكر وحدهما، بل شارك فيها أبو بكر بالتخطيط والمال، وأسماء بالطعام، وعبد الله بالأخبار، وعامر بتمو يه الأثر، والدليل بمعرفة الطرق، وعلي بأداء الأمانات وتأخير اكتشاف الخروج، ثم بقي التوفيق من الله فوق هذه الأسباب كلها، وكان توز يع الأدوار قائما على معرفة قدرات كل شخص وثقته، فلم يوكل نقل الأخبار إلى من لا يحسن التخفي، ولم يوكل الطريق إلى من لا يعرف مسالكه، ولم تترك الأمانات لمن قد يضيعها، وبذلك اجتمع في الرحلة التخطيط والسر ية والثقة وتحمل المسؤولية، ثم جاءت العناية الإلهية فوق ما أعده البشر. وصلت قريش إلى الغار أو اقتربت منه، فاشتد خوف أبي بكر على رسول الله ﷺ، وقال إنه لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآهما، فقال له النبي ﷺ«: ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، فكان هذا الكلام تثبيتا لا إلغاء ء للخوف البشري، لأن أبا بكر كان يخاف على النبي ﷺ، والنبي ﷺ يعلم أن الله يحفظه، ومع ذلك لم يترك التخطيط ولا اختار الطريق المكشوف.