معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 59 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 59

تكلم النبي ﷺ وقرأ القرآن ودعا إلى الله، ثم بايعوه على الإسلام والنصرة والحماية، وعلى أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهلهم، ووعدهم الجنة إن وفوا، ولم تكن البيعة كلاما عاطفيا، بل التزاما يعلمون أنه قد يجلب عليهم عداوة قريش وحرب القبائل، ولذلك سألوا عن العاقبة، وثبتوا على ما عاهدوا عليه، وظهرت في البيعة إرادة الانتقال من مجرد الإيمان إلى تحمل التبعة، إذ إن حماية النبي ﷺ تعني أن يواجهوا من يعاديه وأن يفتحوا أبواب بلدهم للمهاجرين وأن يعيدوا ترتيب علاقاتهم مع القبائل، فكانت البيعة عقد نصرة ودين ومسؤولية عامة، لا اتفاقا مؤقتا على الإقامة أو التجارة. اختار النبي ﷺ نقباء من الأنصار، فجعل من الخزرج اثني عشر نقيبا، وتختلف بعض تفاصيل الأسماء والترتيب في الروايات، ثم انصرف القوم إلى يثرب، وانتشر خبر البيعة بعد ذلك، فاشتدت قريش في طلب المهاجرين ومنعهم، وصار خروج المسلمين إلى المدينة ضرورة قريبة، لأن أرض النصرة تهيأت، ومكة لم تعد قادرة على احتواء الدعوة أو القضاء عليها دون صدام واسع، ولم تكن النقابة لقبا رمزيا، بل مسؤولية اتصال وتعر يف ومتابعة، إذ يعود كل نقيب إلى قومه فيحمل معنى البيعة، و يضبط ما يستطيع من أمر الجماعة، ويهيئ الناس لتحمل تبعات استقبال المهاجرين وحماية النبي ﷺ، وبذلك صارت يثرب تنتقل من مجرد بلد سمع نفر من أهله القرآن إلى مجتمع يستعد لمرحلة جديدة من القيادة والهجرة والعهد.