معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 58 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 58

إيمانه سيغير علاقاته وموقفه من الخصومة القديمة، ثم حمل سعدا على السماع، فصار إسلام الرجلين بابا لدخول بني عبد الأشهل، وأثبتت الواقعة أن القرآن كان يفتح القلوب بالحجة، وأن الداعية يحتاج إلى حسن الاستماع كما يحتاج إلى قوة البيان. أخبر أسيد سعد بن معاذ بما حدث، وكان سعد سيد بني عبد الأشهل، فجاء إلى مصعب مستنكرا، ثم سمع القرآن وأسلم، وعاد إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فأسلم رجال من بني عبد الأشهل، وانتشر الإسلام في دور المدينة، وتذكر الروايات أن الإسلام دخل بيوت الأنصار حتى لم يبق بيت إلا سمع به، ولا يصح أن تفهم هذه العبارة على أن كل فرد أسلم في اللحظة نفسها، بل معناها أن الدعوة صارت معروفة واسعة الانتشار. في الموسم التالي جاء من أهل يثرب ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان بحسب الرواية المشهورة، وكان حضور النساء في هذه الجماعة دالا على اتساع الإيمان في بيوت الأنصار، واجتمعوا بالنبي ﷺ ليلا عند العقبة في موضع يستترون فيه عن أعين قريش، وكان عمه العباس بن عبد المطلب حاضرا، وكان يومئذ على دين قومه، لكنه تكلم دفاعا عن ابن أخيه، وسأل الأنصار عن قدرتهم على حمايته، لأن خروج النبي ﷺ من مكة إلى بلدهم سيجعلهم مسؤولين عن حفظه في مواجهة العرب، فلم يكن يريد أن يسمع منهم وعدا لا يقدرون عليه، ولا أن ينقل ابن أخيه دعوته إلى قوم ثم يتركوه عند أول مواجهة.