معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 57 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 57

حماية النبي ﷺ، ولذلك أرسل معهم مصعب بن عمير رضي الله عنه ليعلمهم القرآن و يفقههم في الدين. نزل مصعب بن عمير على أسعد بن زرارة، وكان أسعد قد أسلم وبايع، فصار مصعب يجتمع بالناس و يقرأ عليهم القرآن، ولم يكن عمله مجرد تلاوة، بل كان يشرح التوحيد، ويبين معنى الإسلام، و يجيب عن أسئلة الناس، و يصل بين الآيات والواقع الذي يعيشونه، وكان يختار مواضع الاجتماع التي يمكن أن يسمع فيها الناس بعيدا عن الفتنة، ويستقبل من جاءه بسؤال أو اعتراض دون أن يحول الدعوة إلى خصومة شخصية، فبدأ الإسلام ينتقل من أفراد متفرقين إلى بيوت وقبائل، وصار القرآن حاضرا في مجالس يثرب كما كان حاضرا في مجالس مكة، غير أن يثرب كانت تفتح له أبوابا جديدة بسبب ما عاشته من التنازع والحاجة إلى إصلاح شامل. بلغ أسيد بن حضير أن مصعبا وأسعدا يجتمعان بالناس، فجاء إليهما مغضبا يحمل حربته، وطلب منهما أن يتركا الحي، فدعاه مصعب إلى أن يجلس ويسمع قبل أن يحكم، وقال له إن أعجبه الكلام قبله، وإن كرهه تركاه، فأنصت أسيد إلى القرآن، فتغير وجهه، وسأل عن طريق الإسلام، فبين له مصعب الوضوء والصلاة والشهادة، فأسلم أسيد، ثم عاد إلى قومه وهو يحمل أثر التحول الذي وقع في نفسه، فصار إسلامه سببا في فتح باب سعد بن معاذ، وبذلك انتقلت الدعوة من مجلس صغير إلى موازين الزعامة المحلية دون إكراه أو استعراض، ولم يكن تحول أسيد مجرد إسلام فرد في مجلس، فقد عاد إلى قومه وهو يعرف أن