فكان هذا اللقاء الأول بابا لانتقال الدعوة من مكة إلى يثرب، ولم يكن أولئك النفر منفصلين عن واقع قومهم، بل كانوا يحملون في ذاكرتهم آثار الحرب الطويلة بين الأوس والخزرج، وكانوا يرون أن التفرق أضعفهم وأن اجتماعهم على الحق يمكن أن يفتح لهم طريقا جديدا، فجمع اللقاء بين استجابة القلوب وحاجة المجتمع إلى كلمة توحده، ثم صار كل واحد منهم داعية في قومه، ينقل ما سمعه و يحفظ ما تيسر له من القرآن، ويهيئ النفوس للمجيء مرة أخرى إلى مكة. جاء في الموسم التالي اثنا عشر رجلا من الأنصار، وكان فيهم الستة الذين لقيوا النبي ﷺ في العام السابق، فاجتمعوا برسول الله ﷺ وبايعوه بيعة تقوم على التوحيد والأخلاق، فعاهدوه ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوا في معروف، وكانت هذه البيعة شبيهة ببيعة النساء المذكورة في القرآن، لأنها ركزت على بناء الإنسان قبل تحمل مسؤولية الحرب والحماية، وقد تضمنت انتقال الإيمان من الاقتناع الفردي إلى عهد جماعي يضبط السلوك و يجعل الدعوة قائمة على الصدق والأمانة والعفة وصيانة الدماء، ولذلك لم تكن مرحلة إعداد سياسي منفصلا عن الدين، بل كانت تربية على أصول المجتمع الذي سيقوم بعد الهجرة. لم تكن البيعة إعلانا قبليا ضد مكة، بل كانت دخولا في الإسلام والتزاما بالاستقامة، ومع ذلك كانت نتيجتها السياسية كبيرة، لأنها أوجدت في يثرب جماعة مؤمنة تستطيع أن تستقبل التعليم، ثم تستقبل المهاجرين، ثم تتحمل مسؤولية