معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 55 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 55

ثم عرض جبر يل عليه السلام أن يطبق الأخشبين على أهل مكة بعد ما صنعوا بالنبي ﷺ، فاختار الرحمة، ورجا أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولم يكن هذا العفو إلغاء ء للحق أو قبولا بالظلم، بل كان نظرا إلى المستقبل، وإبقاء ء لباب الهداية مفتوحا، ولذلك صار موقف الطائف من أوضح مشاهد الرحمة بعد الأذى. عاد النبي ﷺ إلى مكة، وصار يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، فيأتي إلى منازلهم ومجالسهم، و يطلب منهم الإيمان والنصرة والحماية، وكان يقول لهم إنه رسول الله ويدعوهم إلى عبادة الله، وكانت قريش تتبعه وتحذر الناس منه، فتسمع القبائل كلامه ثم ترفض، إما خوفا من قريش، وإما رغبة في أن تكون الحماية مشروطة بملك أو قيادة، وإما لأن العصبية القبلية جعلتهم لا يريدون أن يدخلوا في حرب لا يعرفون مآلها. لم يكن رفض القبائل كله على درجة واحدة، فبعضهم اعتذر بوضوح عن عدم قدرته، وبعضهم سأل عن طبيعة النصرة، وبعضهم أراد أن تكون له القيادة بعد النبي ﷺ، وكان رسول الله ﷺ يبين أن الأمر لله، وأنه لا يطلب نصرة لمجد شخصي، بل لحمل البلاغ، ولذلك لم يقبل شروطا تحرف الرسالة عن أصلها. في أحد مواسم الحج لقي نفرا من الخزرج عند العقبة، فدعاهم إلى الإسلام وقرأ عليهم القرآن، وكان أهل يثرب يعرفون من يهود المدينة أخبارا عن نبي يظهر في آخر الزمان، فلما سمعوا القرآن قال بعضهم لبعض إن هذا هو النبي الذي كانت اليهود تتوعدهم به، فآمنوا ورجعوا إلى قومهم، وبدأوا يدعونهم إلى الإسلام، 55 ✦ ✦