معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 51 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 51

عمه، وأن أبا طالب مات على ما اشتهر في الروايات من غير أن يدخل الإسلام، فحزن عليه النبي ﷺ، لأن الفقد جمع بين المحبة الشخصية وخسارة الحماية، ولم يكن أبو طالب مؤمنا بالرسالة بحسب ما ثبت، لكنه ظل في حساب السيرة رجلا منع قريشا من الوصول إلى النبي ﷺ، فكان موته يغير قواعد الأمان في مكة، و يجعل النبي ﷺ أمام خصوم يعرفون أن الحاجز القبلي قد ضعف، وأن أذى القول يمكن أن يتبعه أذى اليد. بعد وفاة أبي طالب توفيت خديجة رضي الله عنها، وكانت أول من صدق رسول الله ﷺ، وأول من آمن به، وسكنت إليه عندما عاد من غار حراء، وأنفقت مالها في نصرته، وحفظت بيته وسره، ووقفت معه في سنوات التكذيب والحصار، فكان موتها فقدا للسند الداخلي كما كان موت أبي طالب فقدا للسند الخارجي. لم تكن خديجة في حياة النبي ﷺ مجرد صاحبة مال أو زوجة صابرة، بل كانت شر يكة في بداية الدعوة، تستمع إلى الوحي الأول، وتذهب به إلى ورقة، وتحتمل الجوع في الشعب، وتثبت على الإسلام عندما كان الناس يترددون، ولذلك بقيت ذكراها حاضرة في كلامه بعد وفاتها، وكان يذكر فضلها و يحسن إلى صديقاتها، وكان فقدها يعني أن البيت الذي كان يعود إليه بعد أذى قريش لم يعد كما كان، وأن النصرة التي كانت تجمع المال والطمأنينة وحسن المشورة قد انقطعت، فاجتمع على النبي ﷺ فقد الحامي الخارجي وفقد السند الداخلي، ثم لم يتحول الحزن إلى ترك الرسالة، بل دفعه إلى طلب موضع جديد يبلغ فيه الناسما أنزل الله.