معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 49 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 49

دخل بنو هاشم وبنو المطلب الشعب، وخرج من استطاع من أهل مكة من بيوتهم، وتحمل أبو طالب مسؤولية حماية النبي ﷺ، فكان يغير موضعه في الليل أو يضعه في مكان يحفظه من الغدر بحسب ما تذكر الروايات، واجتمع مع أهله ومن ناصره في مكان ضيق، ولم يكن كل من دخل الشعب مسلما، فقد دخل أبو طالب وبنو هاشم حماية للنبي ﷺ، وكان هذا التفصيل مهما لأن المقاطعة كانت قبلية في جانب منها، وإن كان المسلمون أشد المتضررين منها، فصار الشعب مكانا يجتمع فيه المؤمنون مع أقاربهم الذين لم يشاركوا في الإيمان، وجمعت المحنة بين رابطة الدين ورابطة الدم، وأظهرت أن حماية النبي ﷺ لم تكن موقف فرد واحد، بل موقف جماعة تحملت تبعاته أمام قريش. اشتد الجوع على أهل الشعب، وكان الطعام لا يصل إليهم إلا خفية، وكان صراخ الأطفال يسمع من خارج المكان، وكان بعض رجال قريش يرسلون شيئا من الطعام سرا، كما كان آخرون يصرون على استمرار الصحيفة، ولم تكن المحنة مجرد منع للبيع والشراء، بل كانت محاولة عزل اجتماعي واقتصادي تستهدف إسقاط الحماية عن النبي ﷺ وإجبار أهله على تسليمه، فكان أهل الشعب يعيشون على ما يصل إليهم من قليل الطعام، وقد يخرج أحدهم فيطلب ما يسد به حاجة الصغار ثم يعود معرضا للمنع والتهديد، وصار مرور الأيام نفسه جزءا من الاختبار، لأن الحصار الطو يل يستنزف المال والجسد والعلاقات، ومع ذلك بقي النبي ﷺ يعلم أصحابه ويذكرهم بالله، وبقي أبو طالب قائما على حمايته، ولم تتحول الشدة إلى تنازل عن أصل الرسالة.