أذى قريش، دون تحو يل كل رقم أو اسم إلى حقيقة قطعية إذا اختلفت طرق الرواية. أذن النبي ﷺ بهجرة ثانية إلى الحبشة، فخرج عدد أكبر، وكان فيهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وزوجته أسماء بنت عميس، وخرجت أسر متعددة، وتخلوا عن مساكنهم وحقوقهم في مكة، وأصبح وجودهم في الحبشة جماعة لها شأن، لا مجرد أفراد عابرين، فاضطرت قريش إلى ملاحقتهم سياسيا، لأن تركهم آمنين يعني أن للمسلمين بابا خارج نفوذها. كانت الهجرة الثانية أشق من الأولى من جهة أن قريشا أصبحت تتابع أخبار المهاجرين، وأن الخارجين عرفوا أن الرجوع قد يوقعهم في الأذى، ومع ذلك اختاروا الثبات، فصارت الحبشة مرحلة من مراحل بناء الجماعة، وتعلم المسلمون فيها أن الأمة يمكن أن تحمل رسالتها في غير موطنها، وأن العدل سبب في حفظ الإنسان حتى لو اختلف الدين. أرسلت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وكانا يومئذ على الشرك، وحملتهما بالهدايا إلى بطارقة النجاشي، ثم طلبا أن يسلم إليهما المهاجرين، واحتجا بأنهم تركوا دين قومهم وفروا إلى ملك لا يعرفهم، ورغبا في أن يصدر النجاشي حكمه قبل أن يسمع كلام المسلمين، لكن النجاشي لم يقبل أن يحكم في غائبين دون أن يستمع إليهم.