معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 43 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 43

الفصل الخامس: الهجرة والحصار وعام الحزن

لما خرجت الدعوة إلى العلن، أدركت قريش أن الأمر ليس نزاعا بين أفراد متفرقين، بل تحولا يمس معتقدها ومكانتها وطرق تحالفها، فاشتد الضغط على المسلمين، وكان المستضعفون أشد الناس بلاء لأنهم لا يملكون قبائل تمنع عنهم الضرب والحبس والتجو يع، أما من كان له قريب يحميه فكان أذى قريش له أخف من أذى من لا عشيرة له، مع أن الجميع اشتركوا في السخر ية والتهديد والمنع. لم يكن النبي ﷺ يملك أن يرفع الأذى عن كل فرد بالقوة، ولم يكن قد أأذن له بالقتال، فكان يثبت أصحابه و يعلمهم القرآن ويذكرهم بعاقبة الصبر، وكان بعضهم يكره على كلمة أو فعل تحت العذاب، و يظل قلبه ثابتا على الإيمان، وظهر في هذه المرحلة أن الإسلام لا يطلب من الناس أن يتمنوا البلاء، بل يشرع لهم حفظ الدين والأنفس حين تفتح لهم طريق آمن. قال رسول الله ﷺ لأصحابه إن في الحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد، فأذن لهم أن يخرجوا إليها، فكانت الهجرة الأولى انتقالا مؤقتا لحفظ الإيمان، لا انسحابا من الدعوة ولا رفضا لمكة، وخرجت جماعة من الرجال والنساء متسللين، وتركوا بيوتهم وأموالهم وحماية القبيلة، وركبوا البحر أو سلكوا طريقا يوصلهم إلى أرض