النبي ﷺ وصدقه وأمانته وعفافه، وما دعا إليه من التوحيد والصلاة والزكاة والصيام وترك الفواحش والدماء، فطلب النجاشي أن يسمع شيئا من القرآن، فقرأ جعفر من أوائل سورة مريم، فبكى النجاشي وأساقفته، ورفض أن يسلم المهاجرين، وبقيت الجماعة في بلده آمنة. تختلف تفاصيل المفاوضة أمام النجاشي وألفاظ حديث جعفر في بعض طرقها، لكن أصل الهجرة، ووصول المهاجرين إلى الحبشة، ورفض النجاشي تسليمهم بعد سماع حجتهم، ثابت في كتب السيرة والحديث بدرجات متفاوتة، ثم حاول عمرو بن العاص أن يستدرك خيبته بذكر موقف المسلمين من عيسى عليه السلام، فاستدعى النجاشي جعفرا وسأله، فأجابه بما جاء في القرآن من أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فضرب النجاشي بيده إلى الأرض وأخذ عودا وقال إن عيسى ما جاوز ما قال جعفر إلا مقدار هذا العود، ثم أمر برد الهدايا وتأمين المسلمين، فكان موقف جعفر يجمع بين بيان العقيدة وحفظ الجماعة، إذ لم يخف المسلمون ما يعتقدونه في عيسى، ولم يحولوا طلب الأمان إلى مداهنة في أصل الدين، كما أن النجاشي لم يكتف بسماع دعوى قريش، بل طلب الحضور والسماع ثم بنى الحكم على ما ظهر له، وهو من الأحداث التي يجب أن تروى كاملة السياق لأنها تتصل بحماية الدعوة وبمكانة المرأة والأسرة في الهجرة، لا بمجرد انتقال أفراد من بلد إلى بلد. وهكذا خرجت الدعوة من مرحلة الجهر في مكة إلى مرحلة مواجهة منظمة، ففشلت المساومة، واشتد التعذيب، وبقيت حماية أبي طالب مانعا من قتل النبي