معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 40 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 40

هذه القصة في صحتها وتفاصيلها، ولذلك لا تسرد مشاهدها على أنها من الأخبار القطعية، بل يذكر أصل ورودها في كتب السيرة مع التنبيه إلى اختلاف المحدثين في أسانيدها. لما استمر الأذى، ولم يعد المكان آمنا لعدد من المؤمنين، أذن النبي ﷺ لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وقال إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد، فخرجت جماعة من الرجال والنساء، وتركوا البيوت والأموال والقبيلة، ولم يكن خروجهم بحثا عن الدنيا، بل حفظا للدين والأنفس، لأن بقاءهم في مكة كان يعرضهم للتعذيب والإكراه. كانت الهجرة إلى الحبشة أول انتقال جماعي خارج مكة، وأظهرت أن الدعوة لا تتجمد في مكان واحد، وأن المؤمن قد يترك وطنه إذا صار الوطن موضع اضطهاد، كما أظهرت أن العدل يمكن أن يكون سببا في حماية الإنسان ولو كان الملك على دين آخر، ما دام لا يرضى بالظلم ولا يسلم المظلوم إلى من يعذبه. أرسلت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي يحملان الهدايا و يطلبان تسليم المهاجرين، وحاولا أن يسبقا كلام المسلمين بإقناع بطارقة الملك بأن هؤلاء غلمان تركوا دين قومهم وجاءوا بدين لا يعرفه أهل مكة ولا أهل الحبشة، لكن النجاشي لم يرض أن يحكم فيهم غائبين، فأرسل إليهم، فلما حضروا اجتمعوا على أن يقولوا الحق كما تعلموه من نبيهم، وتقدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فشرح حال العرب قبل الإسلام، وذكر عبادة الأصنام وأكل الميتة وقطع الأرحام وإساءة الجوار وأكل القوي الضعيف، ثم ذكر بعثة 40 ✦ ✦