معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 37 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 37

ولا تجمع كتب السيرة كل أخبار التعذيب في درجة واحدة، فبعضها ثابت في الصحيح أو مشهور من طرق متعددة، وبعضها يرد في الأخبار التار يخية بألفاظ متفاوتة، ولذلك يذكر الكتاب ما ثبت أو اشتهر من غير أن يحول الروايات الضعيفة إلى مشاهد قطعية، كما لا يختصر المعاناة في جملة عامة، لأن أصل التعذيب كان تحولا من الرفض الكلامي إلى محاولة اقتلاع الإيمان بالقوة. حمت بنو هاشم رسول الله ﷺ في الجملة، وكان أبو طالب أكثر أهله دفاعا عنه، مع أنه لم يؤمن بما جاء به بحسب ما ثبت في الأحاديث، وكان موقفه قائما على حماية ابن أخيه والوفاء لأبيه، فحال بين قريش وبين قتله، لكنه لم يمنع السخر ية والضغط والمقاطعة، لأن الحماية القبلية تستطيع أن تمنع اغتيالا ظاهرا، لكنها لا تمنع كل أذى ولا تقنع الخصوم بالرسالة. أما أبو بكر رضي الله عنه فكان يملك مالا ومكانة، فأنفق في تحرير المستضعفين، واعتق بلالا، واشترى من يعذبون من المؤمنين، ولم يكن إنفاقه مجرد صدقة فردية، بل كان وسيلة لحماية أفراد من الموت أو الإكراه، وقد بقي بعد ذلك أثر هؤلاء المعتقين في بناء المجتمع الإسلامي، لأنهم لم يعودوا عبيدا يملكونهم سادة قريش، بل صاروا أصحاب إيمان ومشاركة ومسؤولية. وكانت قريش تفرق في أذاها بين من له عشيرة تمنعه ومن لا عشيرة له، فاشتدت على من لا يملك حماية، وكان بعض بني هاشم وبني المطلب يمنعون الأذى عن رسول الله ﷺ، بينما بقي أصحابه الآخرون يواجهون ما يستطيعون من البلاء،