لم يكن صعود الصفا مجرد موضع لإلقاء خطاب، بل كان اختيارا لمكان تسمع فيه بطون مكة، وفيه ظهر أن النبي ﷺ لم يختبئ وراء نسبه، ولم يجعل دعوته امتيازا لبني هاشم، بل خاطب قريشا كلها، وذكرها بأن القرابة لا تنفع مع التكذيب، وأن الحماية القبلية لا تمنح صاحبها نجاة من حساب الله. لم تبدأ قريش بالقتال فورا، بل مرت معارضتها بمراحل، فبدأت بالسخر ية والتشو يه، فقالت عن النبي ﷺ إنه شاعر أو ساحر أو مجنون، ثم حاولت أن تفسر القرآن تفسيرا يخرجه عن كونه وحيا، وبعد ذلك انتقلت إلى المساومة، فعرضت المال والملك والجاه، وطلبت منه أن يعبد آلهتها مدة و يعبدوا إلهه مدة، فنزلت سورة الكافرون لتقطع طريق المساومة في أصل العبادة. وكان بعض زعماء قريش يعرفون صدق النبي ﷺ، أو على الأقل يعرفون أنه لم يكن صاحب كذب في حياته السابقة، لكن اعترافهم بصدقه كان سيهدم مكانتهم، و يضعف سيادة بيوت معينة، و يغير نظام الحج والأصنام والتجارة التي ارتبطت بالمركز الديني لمكة، ولذلك اجتمع في رفضهم خوف المصلحة مع العصبية والكبر، ولم يكن الجهل وحده سبب التكذيب. كانوا يرون أن قول «لا إله إلا الله» لا يتوقف عند تغيير لفظ في اللسان، بل يهدم خضوع الناس للأصنام، و يجعل العبادة لله وحده، و يقرر أن الحاكم والمحكوم والغني والفقير سواء أمام الحق، وأن المال لا يشتري الكرامة، وأن النسب لا يرفع صاحبه إذا أفسد العمل، ولذلك فهموا أثر الدعوة على مجتمعهم قبل أن يقروا به. 35 ✦ ✦