الفصل الرابع: الجهر بالدعوة ومواجهة قريش
لما تهيأت الجماعة الأولى، نزل الأمر بإنذار الأقربين، فكان على رسول الله ﷺ أن يبدأ بمن يحيطون به نسبا وبيتا، لا لأن القرابة تمنحهم فضلا خاصا في قبول الحق، بل لأن إقامة الحجة عليهم تبين أن الرسالة لا تستثني قريبا ولا بعيدا، فدعا بني عبد المطلب وجمعهم، وذكرهم بما جاء به، ودعاهم إلى الإيمان بالله وترك عبادة ما سواه، واختلفت الروايات في عدد من حضر وفي تفاصيل الطعام والكلام، أما أصل دعوة العشيرة فثابت في سياق السيرة والقرآن. ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الصفا، ونادى بطون قريش، فلما اجتمعوا سألهم: لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ فقالوا إنهم لم يجربوا عليه كذبا، فأخبرهم أنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد، ودعاهم إلى توحيد الله، فاعترض أبو لهب وقال ما معناه: ألهذا جمعتنا؟ فنزلت سورة المسد، فكان الموقف إعلانا عاما بعد أن كان البلاغ في دائرة محدودة، وسمعته بطون قريش من أقرب المواضع إلى البيت، فلم يعد لأحد أن يقول إن الدعوة لم تبلغه أو إن النبي ﷺ قصر في البيان، بل صار الخلاف بعد ذلك خلافا في القبول والاتباع، وظهر أن الإنذار العام لا يفرق بين سيد وتابع ولا بين بيت يحمي صاحبه ورجل لا عصبة له.