مختلفة عن عصبية الجاهلية، وتدربوا على كتمان ما يحتاج إلى كتمان، وعلى إعلان الحق عندما يأتي الأمر، وعلى احتمال أن يفقد الإنسان مكانته أو ماله بسبب إيمانه. وكانت قريش ترى بعض التغير في بيوت مكة، لكنها لم تدرك في البداية مدى اتساع الدعوة، ثم بدأت الأخبار تنتقل، وظهر أثر الإسلام في رجال من بطون متعددة، فصار الأمر يتجاوز بيت خديجة وبيت أبي بكر إلى جماعة لها معالمها، ومع كل مسلم جديد كانت قريش تخسر احتكارها لمعنى الشرف والمرجعية، لأن الإسلام جعل معيار التفاضل التقوى والصدق لا المال والنسب وحدهما. انتهت هذه المرحلة وقد تكونت نواة الدعوة، فالنبي ﷺ يتلقى الوحي و يعلم، وخديجة تثبته وتسانده، وعلي وزيد وأبو بكر يحملون الإيمان إلى دوائرهم، ودار الأرقم تحفظ الاجتماع، والقرآن يبني الوعي، والصلاة تصل الجماعة بربها، ثم جاء الأمر بالجهر، فخرجت الدعوة من دائرة البيوت المختارة إلى المجتمع كله، وبدأت قريش تواجه خطابا لا تستطيع احتواءه بالمجاملة وحدها.