معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 32 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 32

زينة عابرة، فكل آية كانت تصحح تصورا وكل صلاة كانت تعيد ترتيب القلب وكل لقاء كان يزيد قدرة الجماعة على الثبات، ولهذا خرج من دار الأرقم رجال ونساء لم يحملوا العلم وحده، بل حملوا معه أدب الدعوة وضبط اللسان والرحمة بالضعيف والصدق مع الله، وكان الاجتماع فيها يحقق غرضين متلازمين، إذ يحفظ الجماعة من أن تتفرق تحت ضغط الأذى، ويهيئ أفرادها لأن يخرجوا إلى أقاربهم ومواليهم وأسواقهم بقدر من العلم والطمأنينة، فلا يصبح كل مسلم جديد عبئا على نفسه أو على إخوانه، بل عضوا يعرف ما آمن به وما يترتب عليه من الصبر والأمانة. كان النبي ﷺ يربي أصحابه على الصبر دون أن يحول الصبر إلى قبول بالباطل، وعلى الحكمة دون أن يجعل الحكمة كتمانا دائما للحق، فلكل مرحلة أسلوبها، وكانت السر ية في البداية حماية للجماعة حتى تنمو، وليست خوفا من إعلان التوحيد، كما أن قلة العدد لم تكن سببا للتراجع عن البلاغ، بل سببا في ترتيب الأولو يات، فبدأ البناء بالإنسان قبل الصدام مع النظام العام، فكان المؤمن يتعلم كيف يعبد الله في خلوته، وكيف يحفظ لسانه من الجدال الذي لا ينفع، وكيف يرفق بمن يخالفه دون أن يساوم على أصل التوحيد، ثم يتهيأ لليوم الذي يسمع فيه الناس الدعوة في مجالسهم وأسواقهم، وبذلك لم تكن السر ية انفصالا عن المجتمع، بل تدريبا على الدخول فيه بوعي وصبر. لم تكن الدعوة السر ية فراغا تار يخيا بين نزول الوحي والجهر، بل كانت مرحلة تكون فيها أول مجتمع مؤمن، وتعلم فيها السابقون القرآن، ونشأت بينهم أخوة