العبادة إلى طاقة صبر عندما يأتي الأذى، وإلى رابطة تجمع أشخاصا لا يجمعهم نسب واحد ولا مال واحد. لم يكن القرآن ينزل في صورة كتاب كامل دفعة واحدة، بل كانت الآيات تأتي بحسب الحوادث والحاجة والتربية، فتنزل آيات التوحيد والبعث والجزاء، وتضرب الأمثال، وتقص أخبار الأمم، وتبين عاقبة التكذيب، وكان الصحابة يحفظون ما ينزل و يفهمون معناه و يعملون به، فصارت الدعوة في مرحلتها الأولى مدرسة يومية يتلقى أفرادها الوحي و يطبقونه. لما كثر الداخلون في الإسلام، اتخذ المسلمون دار الأرقم بن أبي الأرقم موضعا للاجتماع والتعليم، وكانت الدار في أصلها قريبة من الصفا، واختيارها ارتبط بسن الأرقم وبعد بيته عن أعين قريش بحسب ما تذكر كتب السيرة، ولم تكن الدار مسجدا عاما معلنا، بل موضعا تجتمع فيه الجماعة الناشئة، و يقرأ النبي ﷺ القرآن، و يعلم أصحابه، ويتابع نزول الوحي، و يعالج ما يجدونه من الخوف والأذى. في دار الأرقم لم يكن الداخل يسمع مواعظ عامة ثم ينصرف، بل كان يتعلم أصول التوحيد ومراقبة الله، ويسمع من القرآن ما يرد على الشرك والظلم، ويتعرف إلى إخوانه، و يعرف أن الإسلام لا يفرق بين حر وعبد وغني وفقير في أصل الكرامة والتكليف، وكانت الدار مكانا لتكوين الجماعة قبل أن تصبح الدعوة مواجهة علنية مع قريش، وكان الداخل إليها يتعلم كذلك كيف يحفظ أخاه وكيف يصبر على اختلاف الطباع وكيف يجعل العبادة أصلا للعلاقة لا 31 ✦ ✦