معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 26 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 26

لم تكن الخلوة في سيرته بحثا عن زعامة أو شهرة، ولم يكن يطلب من أهل مكة أن يلتفوا حوله، بل كان يبتعد عن مظاهر التنافس التي ملأت مجتمعهم، ثم يعود إلى خديجة وإلى عمله وحياته، وكان هذا الجمع بين العزلة المؤقتة والمخالطة المسؤولة مهما، لأن الدعوة التي ستأتيه لن تكون طريق راهب يترك العالم، بل رسالة نبي يدخل في حياة الناس ليخرجهم من الشرك والظلم إلى التوحيد والعدل. جاءه الملك في غار حراء، فقال له«: اقرأ»، فقال النبي ﷺ«: ما أنا بقارئ»، فضمه الملك حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال«: اقرأ»، فأعاد النبي ﷺ الجواب، فضمه مرة ثانية، ثم أرسله، ثم عاد الملك فكرر الأمر، وبعد المرة الثالثة نزلت أوائل سورة العلق﴿: اق أأر باسم ربك لالذي خلق خلق إ الإنسان من علق الإنسان ما للم يعلم﴾، علم بالقلم ل علم إ اق أأر ب وربك الأأ كرم لالذي ل فكانت أولى آيات الوحي التي نقلته من التهيئة إلى مقام النبوة والبلاغ. عاد رسول الله ﷺ من الغار وقلبه يرجف، ودخل على خديجة رضي الله عنها فقال«: زملوني زملوني»، فغطته حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لها«: لقد خشيت على نفسي»، فكان جوابها قائما على معرفتها الطويلة بخلقه، فقالت«: كلا والله، ما يخز يك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»، فلم تتعامل مع الحادثة باعتبارها خوفا عابرا فقط، بل ردت الأمر إلى سيرته كلها، فذكرت خصاله التي تجعل الخزي بعيدا عنه، وأثبتت له أن من عاش ناصرا للحق ومعينا للضعيف لا يضيعه الله.