معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 25 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 25

الفصل الثالث: نزول الوحي وبناء الجماعة الأولى

لما اقتربت مرحلة البعثة من رسول الله ﷺ حببت إليه الخلوة، فكان يبتعد عن ضجيج مكة و يصعد إلى غار حراء، ويتعبد الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى أهله فيتزود و يعود، وكانت خديجة رضي الله عنها تعينه في ذلك بما يحتاج إليه من الطعام والزاد، ولم تكن خلوته انقطاعا عن الناس من كل وجه، فقد كان يعيش بينهم و يعاملهم و يقضي حوائجهم، لكنه كان يجد في البعد عن الأصنام ومجالس اللهو فرصة للتفكر والعبادة. وكانت الرؤ يا الصالحة تأتيه فتقع مثل فلق الصبح، فلا يرى رؤ يا إلا جاءت واضحة في معناها، ثم ازداد ميله إلى غار حراء، وكان الغار موضعا صغيرا في جبل النور يطل على مكة، فكان يصعد إليه على مشقة الطريق، و يقيم فيه بعيدا عن أهل البلدة، ولم يكن حينئذ يعرف تفاصيل ما سيحمل من الرسالة، لكن حياته قبل الوحي كانت قد اجتمعت فيها الأمانة والعفة وصلة الرحم والبعد عن عبادة الأصنام، فصار قلبه مهيأ أ لتلقي الأمر العظيم، وكان يرجع من خلوته إلى بيته فيجد خديجة رضي الله عنها مستعدة لما يحتاج إليه، فيأخذ زاده ثم يعود إلى الجبل، فاجتمع في تلك المرحلة هدوء الخلوة وحفظ البيت ومواصلة العمل ومخالطة الناس، ولم تكن العزلة رفضا لمسؤولية الحياة، بل إعدادا روحيا قبل حمل أوسع أمانة عرفها البشر. 25 ✦ ✦