معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 21 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 21

الذي سيخاطبه بالرسالة، دون أن تدل هذه الخبرات وحدها على نبوة أو ترفعها إلى غير مقامها، وإنما تذكر بوصفها أحداثا عاشها في طريق التكوين. كانت خديجة بنت خو يلد رضي الله عنها ذات مال وشرف، تستأجر الرجال في تجارتها، فلما بلغها صدق النبي ﷺ وأمانته عرضت عليه أن يخرج في مالها، فقبل، وتذكر روايات السيرة أن ميسرة خرج معه أو صاحبه في الرحلة، ثم عاد بالتجارة، فظهر لها من أمانته وحسن معاملته ما زاد رغبتها في الزواج منه. تختلف الروايات في مقدار الربح، وفي تفاصيل ما رآه ميسرة، وفي بعض الأخبار التي تصف ظلا أو بشارة أو حوارا مع راهب، فلا تتجمع كلها في قصة واحدة قطعية، ويثبت أن خديجة عرفت أمانته من عمله، وأنه خرج في مالها قبل الزواج، وأن العمل التجاري جعله معروفا في مكة بحسن المعاملة. شهدت قريش وقيس عيلان حرب الفجار، وسميت بذلك لوقوعها في الشهر الحرام، وتذكر كتب السيرة أن رسول الله ﷺ حضر بعض أيامها مع أعمامه، وأن دوره كان جمع النبل أو رده إليهم، ولا يثبت أنه باشر قتلا فيها، ولذلك لا يصح تصويره في تلك المرحلة مقاتلا في معارك الجاهلية، بل يذكر أصل حضوره وما نقل عن مشاركته المحدودة بقدر الرواية. تكشف هذه الواقعة عن طبيعة المجتمع الذي نشأ فيه، فقد كانت العصبية القبلية قادرة على إشعال القتال، وكان الشهر الحرام موضع تعظيم ثم تنتهك حرمته عند اشتداد الخصومة، وسيأتي الإسلام بعد ذلك فيقرر حرمة الدماء، و يضبط