التعب والانتظار ومراقبة الطريق، ثم انتقل من رعاية الغنم إلى التجارة، فاجتمع له اختبار الصبر في البادية واختبار الأمانة في السوق، وكانت قريش تراه في معاملاته قبل أن تسمع منه الرسالة. خرج رسول الله ﷺ مع عمه أبي طالب في رحلة إلى الشام وهو غلام، وتذكر كتب السيرة أنه مر ببصرى، وأن راهبا اسمه بحيرى رأى علامات أو سأل عن أحواله، ثم نصح أبا طالب أن يرجع به و يحفظه، وتختلف طرق القصة في تفاصيلها، ويناقش أهل الحديث أسانيدها وألفاظها، فلا يصح أن تروى كل الجزئيات المتعلقة بالغمامة أو الخاتم أو معرفة الراهب للنبوة بصيغة واحدة جازمة. الثابت في أصل السيرة أن النبي ﷺ خرج مع عمه في رحلة تجارة، وأنه عرف طريق الشام وأحوال القوافل، وأن أبا طالب كان شديد العناية به، أما مقدار عمره عند الرحلة، ومقدار ما قاله بحيرى، وهل عاد أبو طالب به مباشرة، فتنقل بعبارات منضبطة، لأن شهرة القصة لا تجعل كل لفظ فيها صحيحا. كانت الرحلة تدريبا على السفر، ورؤ ية اختلاف البلاد، ومعرفة الأسواق والطرق، ومخالطة الرجال الذين يتعاملون في التجارة، ولم يكن النبي ﷺ منعزلا عن المجتمع، بل عاش في قلبه، ورأى ما فيه من عقود وأمانات وتنافس، ثم بقي معروفا بالصدق حين بدأ يعمل لنفسه ولغيره، وكان انتقاله بين البادية ومكة وطريق الشام يجعله يرى اختلاف أحوال الناس، فيعرف حياة الرعي ومواسم الماء، و يعرف حياة السوق وموازين البيع، و يعرف كذلك سلطة القبيلة وحاجة الغريب إلى من ينصفه، فاجتمعت في طفولته وشبابه مشاهد متعددة من المجتمع 20 ✦ ✦