معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 19 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 19

فقد حفظ أبو طالب ابن أخيه، ووقف معه في مراحل الدعوة، ودافع عنه أمام قريش، وإن لم يؤمن بما جاء به بحسب ما ثبت في الأحاديث المشهورة، وتذكر بعض الأخبار أن أبا طالب كان إذا أعد الطعام دعا ابن أخيه أولا، فإذا أكل أو شرب أقبل أهل البيت على طعامهم، وأنهم كانوا يرون في حضوره خيرا وبركة، وهذه الز يادة تروى بألفاظ متفاوتة، أما الثابت الذي يتصل بسياق الكفالة فهو قيام أبي طالب بحفظه وإكرامه وإبقاؤه في بيته مع ضيق الحال وكثرة العيال. كان وجود النبي ﷺ في بيت أبي طالب يقربه من شؤون مكة، لأن عمه كان يخرج في التجارة، و يجالس قريشا، و يعرف أخبار القبائل، وكان الصبي يرى طرق السفر وأحوال الأسواق، ويتعلم من مخالطة الناس الصبر وضبط اللسان وأداء الأمانة، ثم كان ينتقل من خدمة البيت إلى الرعي، ومن الرعي إلى الأسفار، حتى صار أهل مكة يعرفونه بالصدق قبل أن يسمعوا منه القرآن. رعى رسول الله ﷺ الغنم في صغره، وثبت عنه أن الأنبياء رعوا الغنم، ولم يكن الرعي عملا محتقرا في حياة العرب، بل كان يحتاج إلى الصبر والانتباه ومعرفة الماء والمرعى ومواجهة الوحش والضياع، وكان الراعي مسؤولا عن جماعة لا تنطق بما تريد، فيتعلم أن يجمع المتفرق منها، و يحفظ الضعيف، ويرد الشارد، و يعرف مواضع الخطر. لا ينبغي أن تحول هذه المرحلة إلى دروس إنشائية طويلة، لكن لا يصح أيضا حذفها من السيرة، لأن حياة الرعي جزء من الوقائع التي عاشها، وقد عرف فيها 19 ✦ ✦