معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 152 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 152

يبين أن صلته بالجماعة لم تنقطع بالمرض، فهو يسأل عن الصلاة، ويرى انتظام الناس، و يصحح ما يحتاج إلى تصحيح، ثم يعود إلى حجرته، فتتصل لحظات التوجيه بلحظات الألم، ولا تتحول الأيام الأخيرة إلى عزلة عن مسؤولية الأمة. لما اشتد المرض قال«: مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقالت عائشة رضي الله عنها إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فكرر الأمر، وطلبت حفصة أو غيرها أن يخفف، فغضب النبي ﷺ أو قال ما يدل على أنكن صواحب يوسف، ثم أصر على أن يصلي أبو بكر. صلى أبو بكر بالناس، وكان النبي ﷺ يصلي أحيانا خلفه أو يخرج فيجلس إلى جانبه بحسب شدة المرض، فإذا سمع التكبير تابع الصلاة، وفي إحدى المرات أراد أبو بكر أن يتأخر حين رأى النبي ﷺ، فأشار إليه أن يبقى، ثم جلس النبي ﷺ إلى جانبه، فكان أبو بكر يسمع الناس التكبير، وكان تقديم أبي بكر علامة ظاهرة على مكانته وثقة النبي ﷺ به في أمر الدين، لكنه لم يكن في ذاته نص ا تفصيليا يبين كل نظام الخلافة، ولذلك اجتمع الصحابة بعد الوفاة يتشاورون في القيادة، كما أن تكرار صلاة أبي بكر بالناس جعل الجماعة تعتاد صوته وإمامته في تلك الأيام، وكان الصحابة يدركون أن المرض يمنع النبي ﷺ من طول القيام، فجمعوا بين حفظ الجماعة من الاضطراب وبين توقير النبي ﷺ وعدم تحميله ما لا يطيق، وبقيت الصلاة آخر رابطة يومية ظاهرة بينه وبين أصحابه حتى اشتد عليه الوجع.