وبقي في بيت عائشة رضي الله عنها أياما، وكان يشتد عليه الحمى حتى يغشى عليه، فإذا أفاق سأل عن وقت الصلاة، وأمر أن يصلي أبو بكر بالناس، وكان يضع على رأسه عصابة أو يعصب رأسه من شدة الألم، ويدخل عليه أهل بيته وأصحابه، فيرى في وجوههم الحزن، فيسأل عن حالهم ويثبتهم، ولم يكن المرض يحجب عنه ما بقي من حقوق الأمة، فكان يوصي بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وإكرام الوفود، وإنفاذ جيش أسامة، وحفظ الصلاة، ثم كان النبي ﷺ يوصي بالصلاة، و يقول ما يدل على المحافظة عليها، و يحذر من اتخاذ القبور مساجد، ويذكر أمته، و يحذرهم من الغلو فيهكما غلت الأمم في أنبيائها، و يوصي بالأنصار خيرا، ويذكر حقوق الضعفاء والموالي ومن تحت أيدي الناس، وتختلف الروايات في ترتيب هذه الوصايا ووقت كل واحدة، فلا تجمع ألفاظ المجالس المختلفة في مجلس واحد، لكن أصل الوصية ثابت في أحاديث صحيحة. اشتد عليه المرض، فطلب أن يصب عليه الماء ليخرج إلى الناس، فصبوا عليه من سبع قرب أو نحو ذلك بحسب الروايات، فوجد خفة، فخرج معتمدا على رجلين، وكانت قدماه تخطان في الأرض، فجلس على المنبر، وتكلم بما يثبت أصحابه، وذكر فضل أبي بكر وصحبته، وحذر من التنافس في الدنيا، وأوصى بالأنصار خيرا، وذكر أن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، ففهم أبو بكر أن الكلام يتصل بقرب وفاة النبي ﷺ، فبكى، وكان الصحابة يرون في خروجه هذا وداعا لا يشبه الخروج الأول، لأن قوته لم تعد تسمح له بإطالة المجلس، ولأن كلماتهكانت تحمل معنى إتمام الوصية، فبقي الصحابة يتلقون منه ما استطاعوا من التوجيه، و يحفظون كلماته في أيامه الأخيرة، وكان خروجه مع شدة الضعف 151 ✦ ✦