بعد العودة إلى المدينة كان النبي ﷺ قد عقد لأسامة بن زيد رضي الله عنهما لواءه، وأمره أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة في مؤتة، وكان في الجيش كبار المهاجرين والأنصار، فتحدث بعض الناس في إمارة أسامة لصغر سنه، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فدافع عنه، وذكر أن أباه كان أهلا للإمارة وأن أسامة أهل لها. تجهز الجيش ونزل في موضع الجرف أو قريبا منه، ثم اشتد مرض النبي ﷺ، فتأخر الخروج، ولم يكن تأخره إلغاء ء للبعث، لأن الراية بقيت مرفوعة، وكان النبي ﷺ يعود إلى الأمر كلما أفاق، و يحث على إنفاذه، حتى بقي تكليفا واضحا لأصحابه بعد وفاته. بدأ المرض الذي توفي فيه النبي ﷺ بعد رجوعه من حجة الوداع أو في أواخر حياته، واشتد عليه الصداع والحمى، وخرج إلى البقيع فدعا لأهله، وتذكر الروايات أنه أخبرهم أو أشار إلى قرب انتقال بعضهم، ثم عاد إلى بيوت أزواجه، وكان يسأل عن يومه عند كل واحدة منهن، فلما ثقل عليه المرض استأذنهن أن يمرض في بيت عائشة رضي الله عنها، فأذن له. انتقل إلى بيت عائشة وهو يمشي بين رجلين من أهله، وكانت رجلاه تخطان في الأرض من شدة الضعف، ثم اشتد به الوجع حتى كان يغمى عليه أحيانا، و يفيق فيسأل عن الصلاة والجيش، و يحث على إنفاذ بعث أسامة، ولم يكن مرضه سببا في ترك أمر المسلمين بلا توجيه، بل ظل يتابع الصلاة والجيش وحقوق الناس، مع أن قوته كانت تنقص يوما بعد يوم. 150 ✦ ✦