ترغب المرضعة في الرجوع إلى قومها بغير رضيع، فحملت حليمة به، لا لأنها كانت تعرف ما سيصير إليه، بل لأنها لم تجد طفلا غيره، فصار في بيتها، وكانت هذه العادة متصلة بنظام اجتماعي واقتصادي معروف عند أهل مكة، فالطفل يخرج إلى البادية، والمرضعة تأخذ أجرة الرضاعة، والأسرة تستفيد من صحة البدن وسلامة اللسان، ثم يعود الطفل إلى قومه وقد عرف حياة أوسع من حياة البيت، ولذلك لا يختصر خروج النبي ﷺ إلى بني سعد في قصة بركة مجردة، بل يذكر بوصفه جزءا من عادات العرب وبيئتهم وتكوين الطفل في سنه الأولى. كان مع حليمة زوجها الحارث بن عبد العزى، وكان لها أولاد، ومنهم عبد الله أو الحارث، وتذكر كتب السيرة أخا للنبي ﷺ من الرضاعة، فدخل رسول الله ﷺ في بيت بني سعد، وعاش في بيئة البادية، وارتبط بأم من الرضاعة وأخوة من الرضاعة، وتعلم من حياة القبيلة والرعي والتنقل، ولم تكن إقامته في البادية مجرد انتقال جسدي، بل مرحلة من مراحل تكوين اللسان والعادة والقدرة على احتمال المشقة. تروي كتب السيرة أن حليمة رأت بعد أخذه سعة في اللبن، ونشاطا في الدابة، وبركة في الغنم، وأن حال بيتها تغير عما كان عليه قبل ذلك، وهذه الأخبار مشهورة، لكن ألفاظها وتفاصيلها ليست كلها في درجة واحدة من الثبوت، ولذلك يثبت أصل إرضاع حليمة له وإقامته في بني سعد، ويذكر خبر البركة بعبارة منسوبة إلى روايات السيرة، ولا يجعل كل جزئية حديثا صحيحا قطعيا.