كل وفد في كتب الحديث والسيرة متفاوتة، فثبت من أخبارها ما اتصل بإسلام القبيلة وعهدها وتعليمها، وبقي ما عدا ذلك في دائرة الروايات المختلفة. وجاء وفد النخع في أواخر الوفود، فذكر أهل السير أن إسلامهم كان ثمرة ما بلغهم من الدعوة والبعوث، وأنهم سألوا عن الفرائض وما يلزم الجماعة، فسمعوا الجواب ورجعوا إلى قومهم، كما قدم وفد صداء وغامد ومراد وهمدان، وكان لكل قبيلة رجالها وسياقها، فمنهم من ثبت إسلامه، ومنهم من طلب عهدا، ومنهم من احتاج إلى تعليم، فلم يكن دخول الجزيرة في الإسلام لحظة واحدة ولا بإعلان واحد، بل تتابع فيه الوفد والبعث والتعليم، ثم بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن، وكان أبو موسى الأشعري أحد صاحبي هذا البعث، وأوصاهما بالتيسير والتعليم والتدرج، وأمرهما أن يتعاونا ولا يختلفا، وكان هذا البعث من أهم صور انتقال الإسلام من المدينة إلى مجتمع واسع، لأن اليمن لم يكن قر ية واحدة، بل مناطق وقبائل ومراكز نفوذ تحتاج إلى دعاة وقضاة وعمال. سأل النبي ﷺ معاذا كيف يقضي إذا عرض له قضاء، فأجابه بالكتاب ثم السنة ثم الاجتهاد، وتختلف طرق الحديث في قوة بعضها، لكن أصل توجيه الدعاة إلى تعليم الناس والتدرج مشهور في كتب السنة والسيرة، وكان عليهم أن يبدؤوا بالتوحيد، ثم الصلاة، ثم الزكاة، وأن يعلموا الناس أن الزكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.