كان اليمن بعيدا عن المدينة، ولذلك احتاج دخوله في الإسلام إلى بعوث تعليمية، لا إلى مجرد إعلان الوفد، فكان النبي ﷺ يختار رجالا يعلمون الصلاة والزكاة والقرآن والقضاء، و يأمرهم بالتيسير والتدرج، ثم يتابع أخبارهم، وهذا يبين أن الدولة لم تعتمد على إسلام الزعماء وحده، بل احتاجت إلى نشر العلم في القرى والقبائل. قدم وفد نجران من النصارى، فسمع القرآن وحاور النبي ﷺ في عيسى عليه السلام، وتذكر كتب التفسير والسيرة نزول آيات من سورة آل عمران في شأن المحاجة والوفد، وتختلف الروايات في عدد الوفد وأسماء المتكلمين وتفاصيل المجلس، لذلك يثبت أصل الوفد والحوار في موضوع التوحيد وعيسى، ويذكر ما صح من الآيات والنتائج دون دمج الروايات المختلفة في مشهد قطعي واحد. عرض النبي ﷺ الإسلام وبين حقيقة عيسى عليه السلام، ولم يجعل الحوار خصومة لفظية بلا حجة، بل دعا إلى كلمة سواء، ثم جرى ما تذكره روايات المباهلة من التحدي والامتناع أو المفاوضة، وتختلف درجة تفاصيلها، وكان أثر الوفد أن نجران دخلت في علاقة عهد أو جز ية بحسب الروايات، وبقيت مسألة أهل الكتاب متميزة عن وثنيي الجزيرة. قدم وفد بني تميم كما تقدم، ثم جاءت وفود من بني أسد وفزارة وبلي وعذرة وتجيب وثعلبة، وكان بعضهم يأتي معلنا الإسلام، وبعضهم يسأل عن الصدقة والصلاة، وبعضهم يطلب الأمان لقومه، فكان رسول الله ﷺ يرد كل وفد بما يناسب حاله، فيعلمهم أصول الدين، ويسأل عن قومهم، و يأمرهم أن يرجعوا إلى 136 ✦ ✦