وبناء التعامل على الأدب لا على الفخر القبلي، وتختلف أسماء المتكلمين وتفاصيل المسابقة أو الشعر في الروايات، فيثبت ما اتصل بنزول الآيات وما صح من الخبر، وكان في المجلس انتقال من لغة المفاخرة إلى لغة الأدب، لأن الوفد دخل وهو يحمل صورة القبيلة عن نفسها، ثم تلقى قرآنا يعيد ترتيب الكرامة والقول، فلم يعد ارتفاع الصوت دليل قوة، ولم تعد كثرة الأتباع حجة، وصار الخبر نفسه يحتاج إلى تثبت قبل أن يبنى عليه حكم أو موقف، فارتبطت قصة الوفد ببناء أخلاق المجتمع لا بحوار عابر بين رجال. كان وفد بني تميم يعرف مكانته بين العرب، فجاء وفي نفسه معنى المنافسة أو السؤال عن القيادة، ثم رأى نظام المدينة وتعظيم الصحابة للنبي ﷺ، وتعلم أن الإسلام لا يلغي القبائل لكنه يضع الفخر والنسب تحت ميزان التقوى والطاعة، ثم رجع الوفد إلى قومه بما سمع، فانتقل أثر المجلس من المدينة إلى بادية تميم. قدم وفد عبد القيس من البحرين أو من جهة القطيف، وكان سفرهم شاقا، فاستقبلهم النبي ﷺ، وسألهم عن الإيمان، فبين لهم الشهادة والصلاة والزكاة والصوم، وأمرهم بما يقربهم إلى الله، وسألوه عن الأشربة والأوعية، فنهاهم أو بين لهم ما يحرم إذا أدى إلى السكر، وكان في سؤالهم تعلق بأحوال مجتمعهم وأشربتهم ومعاملاتهم، وظهر في خبرهم أن التعليم النبوي كان يربط الأصل بالواقع، فلا يكتفي بذكر الشهادة دون أثرها، ولا يذكر العبادة منفصلة عن المال والسلوك، بل يجيب الوفد بما يحتاج إليه في بلده، ثم يوصيه أن يبلغ من وراءه، فتتحول الرحلة إلى أمانة تعليم تنتقل من المجلس إلى القبيلة.