معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 133 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 133

اجتمع في حج أبي بكر إعلان البراءة من عهود الغدر وإقامة الحج وتعليم الناس أحكامه، ولم يكن المقصود قتل كل مشرك أو نقض كل عهد صحيح، بل التمييز بين العهد القائم والعهد المنقوض أو المنتهي، ولذلك لا يجوز صياغة الإعلان في صورة عامة تلغي الفروق التي ذكرتها الآيات. كان حج أبي بكر مرحلة انتقالية قبل حجة الوداع، فقد بدأت مكة تتحول إلى مركز للتوحيد، وتراجعت مظاهر الشرك عاما بعد عام، وبقي على النبي ﷺ أن يحج بالناس بنفسه في السنة التالية، و يعلمهم المناسك و يخطب فيهم خطبة جامعة. بعد فتح مكة وتبوك، قدمت وفود القبائل إلى المدينة، تعلن الإسلام أو تسأل عن أحكامه أو تعقد عهدا، وكان النبي ﷺ يستقبلهم بحسب حالهم، فيكرم من جاء، ويسمع سؤال من يسأل، ويبين أصل التوحيد والصلاة والزكاة، ويرسل مع بعضهم من يفقههم في الدين، ولم تكن الوفود متشابهة حتى يجمع خبرها في فقرة واحدة، فمنهم من جاء بعد غلبة الإسلام في مكة يريد معرفة ما يلزمه، ومنهم من جاء وفي نفسه بقايا فخر قبلي أو رغبة في اختبار المدينة، ومنهم من جاء يطلب الأمان أو يسأل عن عهد الطريق، فكان المجلس يتحول بحسب حال القوم من تعليم العقيدة إلى بيان العبادة أو ضبط العهد أو إزالة أثر خصومة قديمة، ثم يرجع الوفد إلى قومه ومعه قرآن أو معلم أو كتاب أو عهد. جاء وفد بني تميم، ودخل في حوار مع المسلمين، ونادى بعض أفراده النبي ﷺ من وراء الحجرات أو رفعوا أصواتهم، فنزلت آيات سورة الحجرات المتعلقة بأدب مخاطبة النبي ﷺ وعدم رفع الصوت فوق صوته، وبالتثبت من الأخبار، 133 ✦ ✦