عاد النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، واستقبلوا ما بقي من المتخلفين، ففرق النبي ﷺ بين المنافق الذي يكذب و يعتذر بغير حق، وبين المؤمن الذي يعترف، وبين صاحب العذر الذي رفع الله عنه الحرج، فكانت تبوك مدرسة في الصدق والإنفاق والقيادة، كما كانت اختبارا للعلاقة بين الظاهر والباطن في مجتمع صار واسعا متعدد القبائل. لم ينته أثر تبوك برجوع الجيش، فقد أعادت تنظيم علاقة المدينة بالحدود الشمالية، وكشفت للمجتمع المنافقين، ورفعت قيمة الصدق، وأظهرت أن الدولة تستطيع الخروج إلى مسافة بعيدة ثم تعود دون أن تنهار، كما هيأت الجو لعام الوفود، إذ رأت القبائل أن مركز الجزيرة صار في المدينة وأن الإسلام صار قوة دينية وسياسية لا يمكن تجاوزها. في السنة التاسعة حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس، فخرج المسلمون إلى مكة بعد أن أصبحت تحت حكم الإسلام، ولم يكن الحج في تلك السنة صورة مطابقة لما سيكون في حجة الوداع، لأن بقايا عهود المشركين ما زالت تحتاج إلى إعلان وتنظيم، ولذلك أرسل النبي ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليبلغ الناس أوائل سورة التوبة. أعلن علي في الموسم انتهاء العهود الخاصة بالمشركين التي لم تلتزم بمدتها أو نقضت، و أأعلن ألا يحج بعد العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان، وأن التوحيد هو أساس الحج، وتختلف تفاصيل من كان يحمل البراءة وكيفية النداء، لكن أصل تبليغ الآيات وإعلان أحكام الموسم ثابت في كتب الحديث والسيرة. 132 ✦ ✦