معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
السيرة النبوية · الصفحة 128 من 157

السيرة النبوية — الصفحة 128

ينزل ليركب أخوه، وكان الفقراء يأتون إلى النبي ﷺ يطلبون ما يحملهم، فإذا لم يجد شيئا يحملهم عليه رجعوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا نفقة الخروج، فكانت عجزا صادقا لا تخلفا متعمدا. أنفق أبو بكر رضي الله عنه ما قدر عليه، وجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، وجهز عثمان رضي الله عنه عددا كبيرا من الإبل والسلاح أو أنفق نفقة عظيمة في جيش العسرة بحسب الأحاديث المشهورة، وأسهم غيرهم بما استطاعوا، ولم يكن المطلوب من الفقير أن يأتي بما لا يملك، بل كان فضل السبق في البذل بحسب القدرة والنية. ظهر في المقابل تخلف المنافقين، فكانوا يعتذرون بالحر أو يخافون الفتنة أو يطلبون الإذن في القعود، وتحدث بعضهم بكلام يثبط عن الخروج، ونزل القرآن يكشف أحوالهم، فلم يكن التخلف كله على درجة واحدة، فمنهم من تخلف نفاقا، ومنهم من تخلف بعذر، ومنهم من صدق بعد الرجوع واعترف بتقصيره. خرج المسلمون من المدينة في جيش كبير بالنسبة إلى ما سبق، وساروا في طريق طو يل شاق، ومروا بمواضع عرفها العرب، ونزلوا على الحجر، وهي ديار ثمود، فنهى النبي ﷺ أصحابه عن دخول مساكن المعذبين إلا أن يكونوا باكين، وعن الانتفاع بمائها على الصورة التي اعتادوها، ثم أسرع بهم، وتختلف تفاصيل النزول والمرور في الروايات، لكن أصل الحذر من الاعتبار بديار الهالكين ثابت في الحديث.