لم يكن رفع الحصار هزيمة، فقد بقيت ثقيف تحت أثر فتح مكة وتحول الجزيرة، وكان المسلمون قد أظهروا قدرتهم على الوصول إلى الطائف، ثم تركوا الحصار عندما لم يعد مناسبا، لأن القيادة لا تقيس النجاح بالبقاء في الميدان إلى غير نهاية، بل بقدر ما يتحقق من المقصود وبما يحفظ الجيش ويمنع استنزافه. دعا النبي ﷺ أو طلب من أصحابه أن يقولوا عند الرحيل«: اللهم اهد ثقيفا وائت بهم»، فكان باب الهداية مفتوحا، ثم قدم وفد ثقيف إلى المدينة بعد ذلك، وأسلموا، وتغيرت العلاقة من الحرب إلى الإسلام، ولم تكن ثقيف قد أسلمت لأنها أأبيدت أو أأجبرت على ترك حصونها، بل لأن موازين الجزيرة تغيرت وزال النظام الذي كان يمنعها من سماع الدعوة. قدم وفد ثقيف إلى النبي ﷺ بعد أن تغيرت موازين الجزيرة، فأنزلهم في المسجد أو في موضع قريب منه، وأكرمهم، وعلمهم الإسلام، وناقش ما طلبوه من شروط، ولم يقبل أن يبقوا على عبادة اللات أو أن تترك الصلاة، وطلبوا أن يؤخر هدم اللات وأن يعفوا من الصلاة أو الزكاة أو الجهاد بحسب اختلاف الروايات، فبين لهم أن الإسلام لا يستقيم مع بقاء الصنم ولا مع ترك الفرائض، ثم أرسل معهم من يعلمهم القرآن والأحكام، وبعث من يهدم اللات، فخرجت السر ية إلى صنمهم، وكانت ثقيف تسمع صوت المعول في موضع كانت تخافه وتعظمه، ثم انتقلت القبيلة من مركز وثني إلى جماعة داخلة في الإسلام. تفاوتت تفاصيل إقامة الوفد وطلباته ومن باشر تعليمهم، غير أن اجتماعهم على الإسلام وتعليمهم الفرائض وهدم اللات نقل ثقيف من حال الخصومة إلى 125 ✦ ✦