المسلمين باعتبارهم جماعة خارجة عن العرب، ودخل المسلمون مكة في حدود الاتفاق، فأظهروا النسك من غير أن يجعلوا القوة التي صارت لهم ذر يعة إلى تجاوز العهد، ثم خرجوا حين انتهت المدة، فكان ذلك الخروج جزءا من البرهان العملي على أن الوفاء ليس كلمة في وثيقة، بل سلوك يتكرر عند القدرة كما يتكرر عند الضعف. بعث النبي ﷺ الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه برسالة إلى حاكم بصرى، فقتله شرحبيل بن عمرو الغساني في مؤتة، وكان قتل الرسل جريمة عظيمة، لأن الرسول يحمل عهدا ولا يقتل في العرف، فجهز النبي ﷺ جيشا، وجعل زيد بن حارثة قائدا، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة، فإذا استشهد أحدهم تولى من بعده، ثم خرج الجيش حتى بلغ معان. بلغ القادة خبر كثرة الروم والعرب المتنصرة، فاشتد الأمر، وتشاوروا هل يكتبون إلى النبي ﷺ أو يمضون، ثم عزموا على المضي، لأن التراجع دون سبب قد يضعف مكانة الدولة، ولأن قتل الرسول يحتاج إلى موقف يبين أن العهد لا يستباح، ولم يكن خروجهم مبنيا على اعتقاد أنهم لا يواجهون خطرا، بل على تقدير أن حفظ هيبة الرسالة يحتاج إلى تحمل الخطر. وصل الجيش إلى مؤتة، فوجد قوة كبيرة، ورتب زيد الصفوف، وقاتل حتى استشهد، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب، وقاتل حتى قطعت يمينه ثم شماله، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد، ثم أخذها عبد الله بن رواحة، فتردد لحظة ثم مضى وقاتل حتى استشهد، فتولى خالد بن الوليد رضي الله عنه القيادة. 113 ✦ ✦