قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومن معه من مهاجري الحبشة بعد أن عاد المسلمون من الحديبية وقبل فتح خيبر أو في سياق تلك المرحلة بحسب اختلاف ترتيب الروايات، ففرح النبي ﷺ بقدومهم، وجمع بين فرح النصر وفرح عودة إخوانه الذين خرجوا في سبيل الله قبل سنوات، وقال ما يدل على اجتماع فرحين، وتختلف ألفاظ ذلك في الروايات. كان رجوع مهاجري الحبشة علامة على أن المجتمع الإسلامي في المدينة صار مركزا يستقبل من خرجوا في سبيل دينهم، وأن الهجرة الأولى لم تكن ضياعا في التاريخ، بل مرحلة حفظت جماعة من الصحابة حتى عادوا إلى دولة قادرة على حمايتهم، كما تذكر قصصهم أثر النجاشي في حفظهم، وتبين أن العدل قد يفتح بابا للإيمان أو للتعاون ولو اختلفت الأديان. في العام التالي للحديبية دخل النبي ﷺ مكة مع أصحابه معتمرين وفق ما اتفق عليه في الصلح، فخرجت قريش إلى الجبال أو خلت لهم بعض المواضع، ودخل المسلمون مهللين، وأظهروا شعائر الإسلام في البيت، وطافوا وسعوا، وأقاموا المدة التي اتفق عليها، ثم خرجوا حين انتهت، ولم يجعلوا دخولهم ذر يعة للقتال أو الانتقام. كانت عمرة القضاء تنفيذا للعهد ورسالة إلى قريش أن المسلمين لا ينقضون المواثيق، وأن الصلح الذي قبلوه لم يكن ضعفا، بل التزاما منضبطا، كما كانت العمرة فرصة لرؤ ية أهل مكة المسلمين في عبادتهم ونظامهم، لا في ميدان الحرب فقط، فصار أثر الدعوة في القلوب يتسع، وبدأت قريش تفقد قدرتها على تصوير 112 ✦ ✦