لم يكن الصلح تخليا عن مكة ولا تنازلا عن الدعوة، بل كان ترتيبا للمرحلة، فصار للمسلمين وقت لبناء علاقاتهم وإرسال رسائلهم، ولتأمين المدينة وإزالة بعض مصادر الخطر، كما صار على قريش أن تتعامل مع النبي ﷺ بوصفه طرفا له عهد، لا خارجا عن القانون القبلي يمكن قتله بلا تبعة. بعد الحديبية اتسع مجال البلاغ، فأرسل رسول الله ﷺ رسائل إلى ملوك وأمراء يدعوهم إلى الإسلام، فبعث دحية الكلبي إلى هرقل ملك الروم، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، وشجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وسليط بن عمرو إلى هوذة بن علي، والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى، وترد في أخبار السيرة رسل وكتب أخرى، وتختلف الروايات في بعض الجهات والتفاصيل، فبقيت الأخبار المتقاربة في سياقها، وحملت الألفاظ المختلفة على اختلاف النقل. وصل كتاب النبي ﷺ إلى هرقل، حمله دحية الكلبي رضي الله عنه إلى عامل من عمال الروم ثم بلغ قيصر، فاستدعى أبا سفيان ومن معه من تجار قريش، وكان أبو سفيان يومئذ على الشرك، فسأله هرقل عن نسب النبي ﷺ وصدقه وما يأمر به وأتباعه، وأمر أن يقرن كلامه بكلام أصحابه حتى لا يكذبوه، فأخبره أبو سفيان بما يعرف، وجعل هرقل القوم يجيبون وهو يوازن بين الأخبار التي يسمعها وبين ما يعرفه من صفات الأنبياء، فاستدل على بعض علامات النبوة، ثم عرض الكتاب على عظماء الروم، فخاف على ملكه ولم يعلن الدخول في