وتكشف مبادئ الرسالة، إن قبلت في الجملة، عن تصور للقاضي بوصفه مطالبا بسماع الطرفين وعدم التعجل وبناء الحكم على الحجة، لكنها لا تثبت أن القضاء كان مستقلا استقلال المؤسسة الحديثة؛ فالوالي ظل يملك اختصاصات واسعة، وقد يجمع بين إدارة الجند والمال وبعض أعمال الحكم، كما أن القاضي كان يعمل داخل سلطة الخليفة والوالي وضمن أعراف المدينة وموازين القوة المحلية.
وكان اختيار الولاة يقوم في الروايات على القوة والأمانة والخبرة والقدرة على إدارة الجند والمال ومعرفة الإقليم، ولم تكن هذه الصفات منفصلة عن القرابة والشبكات القبلية والسابقة في الإسلام. فالحاكم يحتاج إلى ثقة الخليفة وإلى قدرة على مخاطبة القبائل وجمع الخراج وحماية الطرق، وقد ينجح في جانب و يفشل في آخر، ولذلك لا يكفي وصف الوالي بالعدل أو القوة دون بيان عمله وشكاوى أهل ولايته ورد الخليفة عليها.
وراقب عمر عماله بالكتب والرسل وباستقبال الشكاوى وبالسؤال عن تغير أموالهم، وتذكر الأخبار أنه كان يحاسب بعضهم أو يعزلهم إذا ظهرت شبهة أو كثرت الشكوى، لكن تفاصيل هذه الوقائع ليست كلها على درجة واحدة من الثبوت. وقد خلطت بعض الروايات بين المحاسبة على مال ثابت وبين الاشتباه في الثراء، كما صاغت أخبار أخرى الحادثة في صورة وعظية تبرز عدالة الخليفة، لذلك يفرق السرد بين ما ترو يه مصادر متعددة وبين القصة التي لا يظهر لها إلا طريق متأخر.